الشوكاني
142
فتح القدير
لأن به يحصل الحرص على الأعمال الصالحة والفرار من الأعمال الطالحة فكيف بالوصول إلى هذه النعم وبالتنعم بها في جنات النعيم بلا انقطاع ولا زوال ( كأنهن الياقوت والمرجان ) هذا صفة لقاصرات ، أو حال منهن ، شبههن سبحانه في صفاء اللون مع حمرته بالياقوت والمرجان ، والياقوت هو الحجر المعروف ، والمرجان قد قدمنا الكلام فيه في هذه السورة على الخلاف في كونه صغار الدر ، أو الأحمر المعروف . قال الحسن : هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان ، وإنما خص المرجان على القول بأنه صغار الدر ، لأن صفاءها أشد من صفاء كبار الدر ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن نعمه كلها لا يتيسر تكذيب شئ منها كائنة ما كانت ، فكيف بهذه النعم الجليلة والمنن الجزيلة ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها ، والمعنى ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة ، كذا قال ابن زيد وغيره . قال عكرمة : هل جزاء من قال : لا إله إلا الله إلا الجنة ، وقال الصادق : هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه في الأبد . قال الرازي : في هذه الآية وجوه كثيرة حتى قيل : إن في القرآن ثلاث آيات في كل واحدة منها مائة قول : إحداها قوله تعالى - فاذكروني أذكركم - وثانيها - وإن عدتم عدنا - وثالثها ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) . قال محمد بن الحنفية : هي للبر والفاجر : البر في الآخرة ، والفاجر في الدنيا ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها الإحسان إليكم في الدنيا والآخرة بالخلق والرزق والإرشاد إلى العمل الصالح والزجر عن العمل الذي لا يرضاه ( ومن دونهما جنتان ) أي ومن دون تينك الجنتين الموصوفتين بالصفات المتقدمة جنتان أخريان لمن دون أصحاب الجنتين السابقتين من أهل الجنة ، ومعنى من دونهما : أي من أمامهما ومن قبلهما : أي هما أقرب منهما وأدنى إلى العرش ، وقيل الجنتان الأوليان جنة عدن وجنة النعيم ، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى . قال ابن جريج : هي أربع جنات : جنتان منهما للسابقين المقربين - فيهما من كل فاكهة زوجان - وعينان تجريان ، وجنتان لأصحاب اليمين - فيهما فاكهة ونخل ورمان - و - فيهما عينان نضاختان : قال ابن زيد : إن الأوليين من ذهب للمقربين ، والأخريين من ورق لأصحاب اليمين ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإنها كلها حق ونعم لا يمكن جحدها . ثم وصف سبحانه هاتين الجنتين الأخريين فقال ( مدهامتان ) وما بينهما اعتراض . قال أبو عبيدة والزجاج : من خضرتهما قد اسودتا من الزي ، وكل ما علاه السواد ريا فهو مدهم . قال مجاهد : مسودتان ، والدهمة في اللغة : السواد ، يقال فرس أدهم وبعير أدهم : إذا اشتدت ورقته حتى ذهب البياض الذي فيه ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن جميعها نعم ظاهره واضحة لا تجحد ولا تنكر ( فيهما عينان نضاختان ) النضخ فوران الماء من العين ، والمعنى : أن في الجنتين المذكورتين عينين فوارتين . قال أهل اللغة : والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضخ بالحاء المهملة . قال الحسن ومجاهد : تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كما ينضخ رش المطر . وقال سعيد بن جبير : إنها تنضخ بأنواع الفواكه والماء ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإنها ليست بموضع للتكذيب ولا بمكان للجحد ( فيهما فاكهة ونخل ورمان ) هذا من صفات الجنتين المذكورتين قريبا ، والنخل والرمان وإن كانا من الفاكهة لكنهما خصصا بالذكر لمزيد حسنهما وكثرة نفعهما بالنسبة إلى سائر الفواكه كما حكاه الزجاج والأزهري وغيرهما . وقيل إنما خصهما لكثرتهما في أرض العرب ، وقيل خصهما لأن النخل فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة ودواء . وقد ذهب إلى أنهما من جملة الفاكهة جمهور أهل العلم ، ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذه النعم التي في جنات النعيم ، ومجرد الحكاية لها أثر في نفوس السامعين وتجذبهم إلى طاعة رب العالمين ( فيهن خيرات حسان ) قرأ الجمهور " خيرات "